مؤيد الدين الجندي

571

شرح فصوص الحكم

يكون اختصاصا له من الله بذلك ، وفي ظاهر الاحتمال دلالة أن يكون بأسماء الله العظام ، وبالكلمات والأقسام في بدو أمره ، ثمّ بلغ الغاية في إتقانها حتى انقادت له الخلائق ، وأطاعه الجنّ والإنس والطير وغيرها بمجرّد الأمر والتلفّظ بما يريد من غير جمعية ولا تسليط وهم وهمّة ، عطاء وهبة من الله ، أن يقول للشيء : كن ، فيكون . قال - رضي الله عنه - : « واعلم - أيّدنا الله وإيّاك بروح منه - : أنّ مثل هذا العطاء إذا حصل للعبد - أيّ عبد كان - فإنّه لا ينقصه من ملك آخرته ولا يحسب عليه ، مع أنّ سليمان طلبه من ربّه - تعالى - فيقضي ذوق التحقيق أن يكون قد عجّل له ما ادّخر لغيره ويحاسب به إذا أراده في الآخرة ، فقال الله له : * ( هذا عَطاؤُنا ) * ولم يقل : لك ولا لغيرك * ( فَامْنُنْ ) * أي أعط * ( أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) * « 1 » فعلمنا من ذوق الطريق أنّ سؤاله ذلك كان عن أمر ربّه ، والطلب إذا وقع عن الأمر الإلهي ، كان الطالب ، له الأجر التامّ على طلبه ، والبارئ - تعالى - إن شاء قضى حاجته فيما طلب منه ، وإن شاء أمسك ، فإنّ العبد قد وفّى ما أوجب الله عليه من امتثال أمره فيما سأل ربّه فيه ، فلو سأل ذلك من نفسه عن غير أمر ربّه له بذلك ، يحاسبه « 2 » به ، وهذا سار في جميع ما يسأل فيه الله - تعالى - كما قال لنبيّه ، محمّد صلى الله عليه وسلم : * ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ) * « 3 » فامتثل أمر ربّه ، فكان يطلب الزيادة من العلم حتى « 4 » إذا سيق له لبن تأوّله علما ، كما تأوّل رؤياه لمّا رأى « 5 » أنّه أتي بقدح لبن فشربه وأعطى فضله عمر بن الخطَّاب ، قالوا : فما أوّلته ؟ قال : العلم ، وكذلك لمّا أسري به أتاه الملك بإناء فيه لبن وإناء فيه خمر ، فشرب اللبن ، فقال له الملك : أصبت الفطرة أجاب الله « 6 » بك أمّتك ، فاللبن متى ظهر ، فهو صورة العلم ، [ فهو العلم ] تمثّل [ في صورة اللبن ] كجبرئيل تمثّل

--> « 1 » ص ( 38 ) الآية 39 . « 2 » والأولى - كما في بعض النسخ - : لحاسبه به . « 3 » طه ( 20 ) الآية 114 . « 4 » في بعض النسخ : حتى كان إذا سيق . « 5 » في بعض النسخ : لمّا رأى في النوم . « 6 » في بعض النسخ : أصاب اللَّه .